فخر الدين الرازي

481

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وقال مالك وابن أبي ليلى ، هو مظاهر أبدا لنا أن التحريم الحاصل بالظهار قابل للتوقيت وإلا لما انحل بالتفكير ، وإذا كان قابلا للتوقيت ، فإذا وقته وجب أن يتقدر بحسب ذلك التوقيت قياسا على اليمين ، فهذا ما يتعلق من المسائل بقوله تعالى : الَّذِينَ يُظاهِرُونَ ، أما قوله تعالى : مِنْ نِسائِهِمْ فيتعلق به أحكام المظاهر منه ، واختلفوا في أنه هل يصح الظهار عن الأمة ؟ فقال أبو حنيفة والشافعي : لا يصح ، وقال مالك والأوزاعي : يصح ، حجة الشافعي أن الحل كان ثابتا ، والتكفير لم يكن واجبا ، والأصل في الثابت البقاء ، والآية لا تتناول هذه الصورة لأن قوله : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ [ المجادلة : 3 ] يتناول الحرائر دون الإماء ، والدليل عليه قوله : أَوْ نِسائِهِنَّ [ النور : 31 ] والمفهوم منه الحرائر / ولولا ذلك لما صح عطف قوله : أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ لأن الشيء لا يعطف على نفسه ، وقال تعالى : وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ [ النساء : 23 ] فكان ذلك على الزوجات دون ملك اليمين . المسألة الرابعة : فيما يتعلق بهذه الآية من القراءات ، قال أبو علي : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر : والذين يظهرون بغير الألف ، وقرأ عاصم : يُظاهِرُونَ * بضم الياء وتخفيف الظاء والألف ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي يظاهرون بفتح الياء وبالألف مشددة الظاء ، قال أبو علي : ظاهر من امرأته ، ظهر مثل ضاعف وضعف ، وتدخل التاء على كل واحد منهما فيصير تظاهر وتظهر ، ويدخل حرف المضارعة فيصير يتظاهر لأنها للمطاوعة كما يفتحها في يتدحرج الذي هو مطاوع ، دحرجته فتدحرج ، وإنما فتح الياء في يظاهر ويظهر ، لأنها للمطاوعة كما يفتحها في يتدحرج الذي هو مطاوع ، دحرجته فتدحرج ، وإنما فتح الياء في يظاهر ويظهر لأنه المطاوع كما أن يتدحرج كذلك ، ولأنه على وزنهما ، وإن لم يكونا للإلحاق ، وأما قراءة ، عاصم يظاهرون فهو مشتق من ظاهر يظاهر إذا أتى بمثل هذا التصرف . المسألة الخامسة : لفظة : مِنْكُمْ في قوله : الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصة دون سائر الأمم ، وقوله تعالى : ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ فيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية المفضل : أُمَّهاتِهِمْ بالرفع والباقون بالنصب على لفظ الخفض ، وجه الرفع أنه لغة تميم ، قال سيبويه : وهو أقيس الوجهين ، وذلك أن النفي كالاستفهام فكما لا يغير الاستفهام الكلام عما كان عليه ، فكذا ينبغي أن لا يغير النفي الكلام عما كان عليه ، ووجه النصب أنه لغة أهل الحجاز والأخذ في التنزيل بلغتهم أولى ، وعليها جاء قوله : ما هذا بَشَراً [ يوسف : 31 ] ووجهه من القياس أن ما تشبه ليس في أمرين أحدهما : أن : ( ما ) تدخل على المبتدأ والخبر ، كما أن ( ليس ) تدخل عليهما والثاني : أن ( ما ) تنفي ما في الحال ، كما أن ( ليس ) تنفي ما في الحال ، وإذا حصلت المشابهة من وجهين وجب حصول المساواة في سائر الأحكام ، إلا ما خص بالدليل قياسا على باب مالا ينصرف . المسألة الثانية : في الآية إشكال : وهو أن من قال لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، فهو شبه الزوجة بالأم ، ولم يقل : إنها أم ، فكيف يليق أن يقال على سبيل الإبطال لقوله : ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ وكيف يليق أن يقال : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً والجواب : أما الكذب إنما لزم لأن قوله : أنت علي كظهر أمي ، إما أن يجعله إخبارا أو إنشاء وعلى التقدير الأول أنه كذب ، لأن الزوجة محللة والأم محرمة ، وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب ، وإن جعلناه إنشاء كان ذلك أيضا كذبا ، لأن كونه إنشاء معناه أن